( عودة الساحر)...الجزء الاول _ الثاني_ الثالث
كان كعادته في كتابة القصة...يُخرج هاتفه النقال...مباشرة من لوحة المفاتيح...يفتح قوسين...يضع عنوانا لقصة جديدة...
ثم تتوالىٰ الأفكار في رأسه...يبدأ صياغتها مباشرة...في أجزاء متتالية...عندما ينتهي من الجزء الأول يقوم بنشره ...دون مراجعة أو تدقيق لغوي...يقلب الفكرة في رأسه...من ثم يصيغها كما تعود...
أما هذه المرة إختار عنوانا لقصة جديدة بعنوان ( عودة الساحر)...حينها لم تأتيه الفكرة...فكر كثيرا ...بصفة شبة يومية...ولا تأتيه الفكرة...
لكنه لا يستسلم أبدا...
كانت له بصمته الخاصة في جذب القارئ...
يمتلك مهارة فائقة في السرد وربط الأحداث...دائما يعتمد علي عنصر المفاجأة...
أذكر ياحفيدتي أنه قال لي ذات مرة أن قصته " عودة الساحر " سوف تكتمل يوما ما...
= جدتي قد مرت أعوام علي رحيل جدي ...لن تكتمل قصته أبدا...
= حسنا ياصغيرتي...هيا إذهبي لفراشك لتنالي قسطا من النوم قد تأخر الوقت...
" إتكأت جدتها علي عصاها ...دخلت غرفتها ...وضعت رأسها علي وسادتها...أغمضت عيناها...قبلتها حفيدتها علي جبينها...
ثم دخلت غرفتها...لترتمي في أحضان جدها تبكي!!!
= جدي إلي متى سنخفي خبر عودتك عن معشوقتك؟!...مر يومان وأنت تختبئ بغرفتي...
جدي إحتضني بقوة عوضني عن سنوات غيابك...
_ ياصغيرتي سامحيني ...رحلت رغما عني...وها أنا عدت إليكم ...لا تستعجلي لقاءي بجدتك ...غدا موعد اللقاء...
" نظرت في عينه الباكية ..تضحك ودموعها منهمرة...
(عودة الساحر)...الجزء الثاني
في الصباح إستيقظ الجد مبكرا...همس في أذن حفيدته...هيا ياصغيرتي إنهضي...يجب أن أذهب إلي عملي الآن...فمنذ رحيلي عنكم وأنا أعمل بالسيرك...أقدم فقرة " الساحر"...
= ياجدي ...لقد وعدتني أن تلتقي بها اليوم ...وليذهب السيرك إلي الجحيم...لقد مر بك العمر ...لقد هرمت..آن لك أن تبقى معنا ...لا تذهب
_ ياصغيرتي ...أعدك أن أعتزل اليوم...ستكون أخر فقراتي ...لكن يجب أن تصطحبي جدتك اليوم لمشاهدة العرض ...سألتقيها هناك...يجب أن أغادر الآن...إذهبي فأيقظيها ...سأنتظركم هناك...
أيقظت جدتها...بعد أن أعدت إفطارا شهيا...جلست أمامها علي المائدة...
= جدتي لقد أخبرتيني بالأمس عن مهارة جدي وأسلوبه في كتابة القصة...ولم تخبريني يوما لماذا رحل ؟!
_ ياصغيرتي في ذاك اليوم كان جدك ممسكا بهاتفه ...مشعلا سيجارته...مستغرقا في التفكير...كان يحاول أن يجد فكرة لقصته الأخيرة التي حدثتك عنها...
في ذاك اليوم لم أجد في بيتنا ما نأكله...لقد ترك عمله الذي كنا نقتات منه وأنهمك في كتابة القصص...طفح بي الكيل ...نشبت بيننا مشاجرة ...وبخته ...
يومها أمسكت هاتفه فحطمته...أخرجت كل أوراقه وقصصه ومزقتها أمام عينيه...من يومها خرج ولم يعد...ياصغيرتي لو كنت أعلم العاقبة ما فعلت ذلك
" ما زالت جدتها تحكي لها وتبكي ...
= أستحلفك بالله جدتي ...كفي عن البكاء...أكملي إفطارك ...ساصطحبك اليوم الي السيرك لترفهي عن نفسك ...أنهم في بلدتنا منذ يومين ...سيغادرون اليوم...سآخذك لتشاهدي فقرة الساحر التي كنت تحبينها قديما...
_ حسنا ياصغيرتي...سأذهب معك إلي مكان أنتي ذاهبة إليه ...لم يعد لي غيرك ..
كلما نظرت إليك أتذكر جدك إني أراه في عينيك...
" في السيرك...وقف أمام مرآته...بفرشاته وضع ألوانه الغريبة علي وجهه...تغيرت ملامحه...بدت كبهلوان...
إمتلأت صالة العرض عن أخرها ...خرج مقدم الفقرات ...ليعلن عن آخر فقرة :
سيداتى ..أنساتي ...ساااادتي...
أيها الحضور الكرااااام ...أنتم الآن علي موعد مع الإثارة...التشويق...المغامرة...مع آخر فقراتنا اليوم...العرض الذي ينتظره الجميع...سيداتي ...أنساتي...سادتي....الاااااااان ...أقدم لكم فقرة الساااااااااااحر...
"خرج الساحر علي خشبة العرض...إنحني لجمهوره ...صفق الجميع...
( عودة الساحر)...الجزء الثالث
خرج الساحر علي خشبة العرض...صفق الجميع...
نظر الساحر إلي جمهوره : جمهوري الكريم ...إسمحوا لي أن أقدم لكم أخر فقراتي ...سأختار الآن من بينكم من يشاركني في تقديم فقرتي!!
ولتكن تلك السيدة العجوز التي تجلس بالصف الثاني هناك...
إبتسمت الفتاة : جدتي الساحر يريدك أن تصعدي إليه...لقد أشار إليك بيده...هيا تشبثي بزراعي سأصعد معك إليه...
فلما صعدت إليه وحفيدته...وقف بجوارها نظر في عينيها :
أيها الحضور الكرام...من بضع سنين كان لي إمرأة تحملت مني ما لم يتحمله بشر...كنت حينها عاطل عن العمل ...هاو لكتابة القصص...كانت كلما كتبت لها قصة جديدة ...تنبهر بي ...تحضنني بقوة...وذات مرة كنت منهمكا في كتابة قصة بعنوان ( عودة الساحر)...أغواها شيطانها فمزقت أوراقي وكل قصصي...خرجت حينها ...هائم علي وجهي...لا أدري أين أذهب...قررت أن أجعل قصتي الأخيرة " عودة الساحر" حقيقة أمامها...بطلها أنا وهي...تجولت في البلاد تعلمت فنون الألعاب السحرية...لي جمهور في كل بلد...أردت أن أثبت لها أن ما كتبته ليس عبثا ...ولا خيالا...
" نظرت إليه محدقة العينين ودموعها تنهمر "..
قال : ياجمهوري العظيم تلك السيدة هي من تقف أمامي الآن...
" خر أمامها علي ركبتيه ...أمسك يديها بكلتا يديه :
سيدتي ...معشوقتي الأبديه...ها أنا ذا أقف أمامك ...ها أنا عدت ...ساحرك عاد من جديد ليكمل قصة أنتي بطلتها...
" ركعت أمامه علي ركبتيها ...وضعت كفيها علي خديه...دموعها تنهمر ...يداها ترتجف "
والجمهور كأن علي رؤسهم الطير...
ساد صمت رهيب...
" حاولت معشوقته أن تنطق ...سقطت مغشيا عليها...
صرخت حفيدتها : جدتي ...جدتي ...جدتي...
ما زالت تصرخ : جدتي ..لتفتح عينيها ...لتجد نفسها داخل ذلك المشفي الذي تقبع فيه من أسبوع مضي !!!...إثنان من طاقم التمريض يتشبثون بزراعيها ...يحاولون تهدءتها...وما زالت تصرخ : جدتي ...جدي ...
أسرعت إحداهن إلي غرفة الطبيب : أيها الطبيب نحتاجك علي وجه السرعه ...تلك الفتاة التي فقدت جدها وجدتها في حادث سيارة ...عادت من جديد لأحلامها المزعجه ...
أسرع الطبيب إلي غرفتها...وما زالت تهزي ...
" أمسك الطبيب بيديها : إهدئي الآن من فضلك...إسمي محمد عيسي...أنا الطبيب المتابع لحالتك...حتي تتماثلي للشفاء
" أمر الطبيب طاقم التمريض بالخروج من الغرفة "
نظر في عينيها ...أمسك بيده حبة برتقال ..قال أنظري إلي يدي تلك
" لوح بيديه فاختفت حبة البرتقال"
قال : إنظري ...إن ما فعلته ليس سحرا...إنه خداع بصري لا أكثر...ها هي حبة البرتقال بيدي الأخري لم تختفي...فما تحسبينه حقيقة قد يكون خيالا...وما تحسبينه خيالا قد يكون حقيقة
سيدتي إنك في رونق شبابك ...يجب تجتازي هذه المحنة...فالعمر أمامك مديد...
" أمسك سكينا...قطع حبة البرتقال...أطعمها بيديه...
" نظرت إليه مبتسمة : أيها الطبيب ...لا تتركني...
_ لن أتركك حتي تجتازي تلك المحنة
" تعودت من طبيبها يوميا أن يسليها ببعض ألعابه السحرية الخفيفة بدلا من الحقن بالمهدئات"
تعودت عليه...حتي تعلقت به حد الجنون...لم يعد حلمها المعتاد يأتيها...
" مرت أيام ...لم يعد طبيبها يدخل غرفتها"
سألت إحدي الممرضات : لماذا لم يعد الطبيب يدخل غرفتي؟
= لقد سافر من أسبوع مضى في بعثة إلي دولة عربية وسيعود بعد عام...
دخلت غرفتها...إغرورقت عيناها بالدموع...أمسكت بهاتفها ...فتحت قوسين...كتبت
( عودة الساحر )...الجزء الأول
لم يكن مجرد طبيب ...لقد رأيت فيه جدي...سيعود ساحري يوما ما...الخ
.....
.....النهاية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق